عام بين ردهات "العناية المشددة"


طوال ٩ شهور تقريباً من العام ٢٠٢٠، اضطررت لأداء زيارة يومية إلى العناية المشددة في واحد من المستشفيات الخاصة بعسير، إذ كان يرقد أحد أفراد عائلتي على الفراش الأبيض، وكنت ملازماً للمدينة حتى أذِن الله بنهاية واحد من أشقّ فصول العمر.

كانت تجربة سوداوية، رغم المرّات القليلة التي كان يتلصص منها نور الأمل، ويتسرب بين أصابع قبضة غليظة من الليالي الكالحة، ثم ما تلبث حتى تنهال المرارات مجدداً على قلبي.

وحيداً كنت في شقتي على طريق الملك عبدالله في مدينة خميس مشيط، يغمر البرد الجاف والقاسي غرف الشقة، وأزيز الطائرات الحربية التي تقلع من القاعدة الجوية في الجوار، يقض مضجعي وهي تشقّ كبد السماء بين ساعة وأخرى.

خلال تلك الأيام، كانت القيود التي تُفرض بسبب جائحة كورونا، تتفاوت بين مشددة تشلّ حركة الشوارع، ومخففة تساعد على التقاط بعض هواء يبدد قسوة التجربة وشحوب المدينة.


وبسبب الجائحة، تقلصت الزيارة إلى ساعة واحدة فقط في نهاية النهار، كانت تلك الساعة بمثابة كوة سحيقة على الجحيم، وغصة جافة في حلق كل يوم.

يتكدس الناس، من ذوي المرضى، عند بوابة الدخول، ينهر الحارس كل محاولة لزيادة عدد الزوار أو ساعات المكوث، ساعة الحائط في الزاوية تمضي ببطؤ، وتنتهبها أعين المنتظرين في الردهات، تحاصرهم الأسئلة: كيف أضحى مريضنا اليوم؟ هل تحسّنت حالته أم تردت!!، إذ ينقطع التواصل مع هذه الغرف المغلقة إلا ساعة واحدة من نهار، ويقضون بقية اليوم فريسة لنهشات القلق وحيرة الأسئلة، مستلقين على قارعة انتظار عند أبواب السماء، شاخصة أبصارهم، ينتظرون رحمة تنزل عليهم من رب الرحمات..


يدق رأس الساعة، يلتقط الحارس بطاقات الدخول، وينتظم الناس أول الأمر عند الولوج، ثم يتلاشون حول الأسرّة، حيث يتمدد مرضاهم، وأنابيب التنفس الصناعي والتغذية الوريدية، مغروسة بوقاحة في أجسادهم المستسلمة، والمتداعية كل ما مرّ الكثير من الوقت.


يتوزع أطباء العناية المشددة في أركان المكان، يتلقون أسئلة الحيارى عن أوضاع مرضاهم، لا يُغرقون في إبداء التفاصيل، خطوط عريضة للحالة المرضية، فإذا كانت الحالة واعدة، ستتضح النتائج في درجات الاستجابة المتصاعدة لمريضهم وتفاعله مع زائريه.

وإذا كانت حالة المريض غير مشجعة، ستكون محظوظاً إذا واجهت طبيباً سمحاً، يطلق كلمات حنونة، يمسح بها على رأس قلبك المكسور، وإلا سيغرز طبيب متجهّم نصل كلماته القاسية في نحر أملك الشحيح والمتضائل كلما طال بك الوقت.


وكأن ملائكة الموت خرجت للتو من المكان، أو انزوت لبعض الوقت، أصوات الأجهزة الطبية التي تكتظ في المكان تغشى كل همس، والإشارات الضوئية تومض لتفصح عن مستجدات الحالة الحيوية لكل مريض، وتدقّ معها قلوب معتكفة في رجاء طويل حول الأسرّة.

في وهدة الاستسلام لسردية هذا المكان، أسأل كيف يتحول المرء بحياته العريضة التي كان يعيشها قبل رمق من استبداد المرض به، وذكرياته السخية باللحظات الملونة، وقدميه التي كان يقف عليهما ويشق بهما كل فضاء، إلى مجرد أرقام وألوان وعمود ضوئي يترنح في شاشة خضراء كئيبة.


لا أنسى المريض "أحمد"، رقم السرير ٤٤، بمعنى أنه الغصّة الرابعة بعد الأربعين لعائلة ما، كنت أهتم لأمره، وأسأل عنه طبيبه المباشر، كانت تتناوبان أمه وأخته لزيارته كل يوم، دخل أول الأمر بديناً وعليه أثر الحياة قبل أن يحدق به المرض، وينفصل عن الواقع على إثر غيبوبة ألزمته الفراش منذ شهور، بدأ جسمه ينحل مع الوقت، حتى يكاد يلتصق جسده الرقيق ببياض السرير، كان يضمر بوحشية، عظام وجنتيه تبرز مع الوقت، ويديه التي طالما أطلقها للريح تنطوي على نفسها، ويشحب جلده الذي يتعطش لماء الحياة، وذبذبات المصافحة التي تنعشها وترد إليها الروح، قتامة شديدة تعلو جبينه، وملامح جامدة على وجهه، وكل الانثناءات القديمة التي كانت تشكّل يوماً ما قسمات وجهه، واستجاباته الحيوية مع محيطه، انتهت تماماً وأعلنت موتها الكامل، لا شيء، لا روح، لا حياة.


بدأت استجاباته تنمو ببطؤ، كانت أمه تنادي باسمه ساعة كاملة، أحاول أن أتغاضى عن سماع صوتها الذي يخرق أذنيّ، وكان مشحوناً باليأس والحسرة، لكن نداءها يتذّرى بلا طائل وكأنها ألقت به في قعر بئر مهجور، أحمد لا يستجيب، بالأحرى يعجز أن يدرك أياً من المحيط حوله، وإذا أثار الصوت المرتفع انتباهه، فلا أكثر من جحوظ عينيه وكأنه يستجمع طاقة مبددة ليزرع أملاً في صدر أمه المرهقة.




ولأنه طال بي المقام في ردهات هذا المكان، وقضيت ما يكفي من الوقت لأشهد على دخول وافدين جدد، وخروج آخرين، محمولين على كفوف الأمل، وانتقالهم إلى غرف "العناية المخففة"، بوصفها ترقية أولية تبشّر بتحسن حالتهم، وربما خروجهم الكامل عن قريب.

ورأيت المرات الكثيرة، التي تزفّ فيها عائلة مكلومة، أحد أفرادها إلى هذا المحبس الطبي، ثم أرى تحلقهم حوله وحدبهم عليه، وحرصهم في توافدهم اليومي إليه، ثم يطول بهم الصبر والانتظار، فينحسر زوّاره وتخفت أنواره، حتى تكاد تمرّ عليه الأيام الطوال والليالي الكثار، ولا يطلّ عليه أحد، بعد أن أحاط بهم اليأس واستحوذ عليهم الاستسلام.



كنت أرى عجز الإنسان وضعفه ويأسه ماثلاً وجاثماً بقسوة في المكان، ضعف المريض في أن يستعيد عافيته، وعجز الطبيب أن يصنع فرقاً في حالة طبية متعثرة، ويأس العائلات من تقدّم في الظرف الصعب الذي يكابدونه، وشلالات الدمع التي كانت تنسكب في الردهات، وحشرجة البكاء المكتوم في المصاعد، وفلتات النشيج الممضّ التي كانت تندلع مع كل خبر شارد عن حالة حرجة، أو الصمت المطبق الذي يلف ذوي المريض وهم يشهدون موته البطيء وضمور الأمل بين أيديهم بلا حول ولا طول لإبداء فعل يغير مصائر الأمور.


بعض الأيام كانت ماطرة، صوت المطر الهادر داخل هذه الأقبية غريب ومستنكر، حتى صورته وهو ينقر على النوافذ لا يثير في النفس شيئاً على الإطلاق، وكأنك بمجرد أن تلج هذا المكان، تنتمي إليه، وتخلع عنك كل ما يمثل بهجة وفرجة في العالم الخارجي، وتكتسي لغة شاحبة ونظرة باردة.



قد يبدو هذا النص بمثابة فخ، وربما ترك في نفسك غيمة سوداء من الحزن، لقد كتبته لأنقل عِبء التجربة القاسية من عاتقي إلى الورق، وأحقِن حروفه بغبار من ركام السلبية الذي خلفته المرحلة، وأتخلّص من طنين الأجهزة الطبية ورائحة الردهات التي بقيت لفترة تزكمني، أتبرأ من بعض تلك الذكريات التي كنت أنوء بها، وأكنس أعقابها المحترقة من شرفة قلبي، ليعود خفيفاً، شفيفاً، مزدهراً، وقد تعافى من ثقوب الحزن.


تعليقات