الفضاء اللغوي للإنسان
وعينا مخلوق من كلمات، منذ اللحظة التي يتلقف فيها الطفل الكلمات البِكر، وتنزلق من شفتيه أولى حروفه الناطقة، وتبدأ العبارات الحاملة للأفكار والإشارات تنحت غرف الوعي والمعنى لديه، ويعرف أن لكل شيء اسم، ولكل مراد وصف، يتغيّا به نيله أو تجنبه، وأن لكل حامل صوتي نتيجة وأثر، يُنبي عن المكنون ويفصح عن المضمون ويدلّ على المظنون.
وفي اللحظة التي يَعجب فيها الوالدان بابنهما وهو يلتقط الكلمات، ويغصّان بالضحك والدهشة وهو يحاول أن يحفز ذاكرته لتنطق بالجمل والعبارات، وتنطلق لعبة ثنائية بين الأطراف تستمر لشهور، وهما يتلمسان تطور ذاكرته اللغوية وتمرّن لسانه، وتحديد سقف ذاكرته بمَدَيات اللغة الدارجة في مهده الأول، وتحت رعاية والديه.
يحتضن الطفل اللغة وهي تتبرعم في وعيه، تتطور بالتزامن مع سلّم نموه البدني والعقلي، ويصمم الفضاء اللغوي الذي يموله الوالدان بالدرجة الأولى، وكل المساهمين في تغذية هذا الفضاء، ويطبعون أثرهم في الوعي البكر، ويحددون وظيفة اللغة، وينتقون الألفاظ المعبّرة، في ثلاث مستويات: حدّتها، وقوة إفصاحها وإغناء المعنى، وديناميتكتها.
١) الحدّة من حيث أن ما يأتي به اللين والرفق في العبارة، لا تصح معه الشدة والغلظة.
٢) وقوة إفصاحها، من جهة إشباعها وقدرتها التعبيرية وفعاليتها في الوقع، وإن ذخيرة من خيارات الكلمات تعكس غِنى الفضاء اللغوي الذي ينتمي إليه.
٣) وديناميكيتها، بمعنى استيعابها للموقف وإرواء غليل مقام الغضب، وإثراء لحظة الرضى والفرح، من غير شطط ولا ذبول في العبارة، وذاك سقف ومدى يتحددان على ضوء المعمار اللغوي الذي انبنى لديه في لبناته الأولى.
دائماً ما تراودني أفكار بشأن تأثير اللغة التي نتلقاها في مهدنا الأول، على تحديد هويتنا الأخلاقية، وأن الفضاء اللغوي، لاعب مركزي في تصميم شخصيتنا، تلك التي نحتفظ بملامحها كوديعة لغوية -إلى جانب عناصر أخرى- طوال الزمن، تحدد استجابتنا وروح تعاملاتنا وموقفنا النهائي المتساوق مع الحياة بامتدادها الطويل.
وهذا لا يعني قطعاً أن تكون تلك الشخصية المصممة لغوياً، جامدة وغير منفتحة على التحولات التي يقذف بها الواقع، ومن بين ذلك الفجائع القاسية، والأحلام الآفلة، وهِبات القدر الكريمة، بل تكون اللغة طوال ذلك كله، نبراساً وإماماً للفرد في مواجهة الحياة، وأميل إلى أن التحولات في الشخصية، تحمل معها مصفوفة لغوية، بما يشبه تحقيباً لغوياً مترافقاً مع انبساط الشخصية أو انقباضها.
تزدهر الشخصية، بغنى اللغة، تجد دائماً أمام التحديات أو المبهجات، الوصف المناسب والعبارة الدقيقة، بدون إفراط أو تفريط، يقرر الإنسان اختيار مفردة ما، ثم يصبح حبيس حمولتها المضمونية، وتقرر بالنيابة عنه اتخاذ الموقف وصياغة رد الفعل، من واقع أنه اختار أن يصف الفعل والموقف الرئيسي بهذه الكلمة، فإن كان تصرُّف الآخر، هو متعمد، أو سوء فهم، أو جهل، تلعب اللغة دوراً في تحديد الخانة، وتبعاً له اتخاذ ردة الفعل والاستجابة.


تعليقات
إرسال تعليق