حياة في العلا
الرياض ١٤ نوفمبر ٢٠٢٤
١٢ جمادى الأول ١٤٤٦
حظيت في شهر نوفمبر من عام ٢٠٢٤ بثلاث زيارات إلى محافظة العلا، واستمتعت بتفاصيل المكان الذي كان خارج الحسابات قبل أن يحوز انتباهاً عالمياً غير مسبوق، نقل هذه المدينة الوادعة البِكر إلى اهتمام العالم.
وحظيت في زياراتي الثلاث إليها بمرافقة أوساط مختلفة، أهالي المدينة والإعلاميين ونخبة من علماء الآثار حول العالم، وكانت الرفقة الأخيرة أكثر تلك الزيارات غنى وثراء واستفادة، وهي ما ستكون غالباً محور هذه التدوينة.
![]() |
| جبل أثرب من على متن المنطاد. |
![]() |
| مسرح مرايا وسط وادي عشار في العلا حيث عقدت ندوة العلا العالمية للآثار. |
دائماً ما أرى مدينة العلا، التي زرتها لأول مرة في يناير عام ٢٠٢٠، هبة الطبيعة، وكان التعرف على المكان مفاجأة سارّة لي، ولم تتيسر لي زيارتها مجدداً سوى هذا العام، وكانت ثلاث مرات دفعة واحدة، تشبعت خلالها من تفاصيل المكان، بطبيعته الساحرة، وتكويناته الفريدة، وتاريخه الضارب بجذوره في أعماق التاريخ البشري والأرضي.
ليس التاريخ وحده ما يشدّك إلى المكان، بل فرادة طبيعته، تلك السماء الصافية، حيث تدنو منك كتل السحب في النهار، وتلمع في عينك النجوم إذا حلّ المساء، وبينهما هدوء المكان الذي تنتشر في تضاريسه تكوينات جبلية فريدة في شكلها وتفاصيلها، تشعر بالألفة معها.
وللهدوء قصة أخرى، سيما خلال المساء، فإذا ما بسط الليل سواده الناعم، وأضاءت في السماء مواقع النجوم أمام عينيك، يخيّم على المكان هدوء فريد يبث في صدرك الطمأنينة، ويشجعك على التأمل، والاستغراق في لحظة من الاتصال بالطبيعة الصامتة، سيما إذا حالفك الحظ وكان مكان نزولك ومبيتك في إحدى المنتجعات القاصية في إحدى أودية العلا، حيث لا يقطعك عن الفضاء الطبيعي زحام أو ضوضاء.

إحدى الواجبات في جبل البنات واحد من آثار منطقة الحِجر في العلا.
![]() |
| أكاديميان من بريطانيا وعُمان في منطقة دادان التاريخية. |
![]() |
| علماء وخبراء آثار دوليين شاركتهم رحلة لمواقع ضمن العلا. |
وتيسّر لي خلال زياراتي إلى العلا، رؤية جانب من آثارها التاريخية التي يعود أغلبها إلى آلاف السنين، وليس أشهر من (منطقة الحِجر) التي تضم ما يزيد عن ١١٠ مقابر، حفرها الأنباط في قلب التكوينات الصخرية ليدفنوا فيها أصحاب المكانة الرفيعة في الحضارة النبطية.
وكان الوقوف أمام تلك الآثار باعثاً على التأمل الصامت، العميق في امتداد هذا المكان عبر العصور، وأنت ترسم في مخيلتك حجم الحياة التي كانت تضجّ في المكان قبل أن يستسلم لهذا الصمت الأبديّ.
ومثله الحال، عند زيارة (منطقة دادان) عاصمة مملكتي دادان ولحيان، التي بنيت خلال القرن التاسع قبل الميلاد، وتحتضن ما يزيد عن اثني عشر من المقابر المنحوتة بمنتهى الحرفية والإبداع في المنحدرات الصخرية الحمراء.
و (جبل عكمة) وما احتفظ به من النقوش والكتابات الخالدة على صخوره منذ آلاف السنين، وأتذكر في جولتنا إليه، الفتاة أو الراوية وداد، من بنات العلا، التي كانت تحكي لنا عن تفاصيل تلك النقوش وتعرفنا إليها بشغف وحماس.
و(جبل الفيل)، وفرصة الاستمتاع بتفاصيل المكان، حيث يتيسر لك الجلوس في بهو من الرمل أمام هذا التشكيل الجبلي الفريد، لا يقطعك عن الاتصال بالطبيعة حائل.
لقد كان من حظي الطيّب، مرافقة مجموعة من علماء الآثار حول العالم، قدِموا للمشاركة في (ندوة العلا العالمية للآثار) التي تعقد سنوياً بمشاركة أكاديميين من مختلف جامعات العالم، وكانت لي فرصة يسيرة بإنجيلزيتي الضعيفة أن أتلمس وعيهم بالسعودية، بأرضها وثقافتها وإنسانها، ودهشتهم بتفاصيل العلا التي تترك انطباعاً ساحراً لدى كل من يصل إليها.

مرافقان ضمن وفد الإعلام الدولي خلال زيارة جبل عكمة. 
نقوش في جبل عكمة. 
الراوية وداد وهي تحكي عن تفاصيل النقوش في جبل عكمة. 
خلال افتتاح ندوة العلا العالمية للآثار.
وفي البلدة القديمة لمدينة العلا، حكاية أخرى، حيث لا يسعك إلا أن تستمتع بجولة في المكان الذي تركه أهله في القرن الأخير إلى نمط الحياة الجديدة في عمرانها وحداثتها، وبقيت تلك البيوت الطينية أثراً لحياة انتقلت من حال إلى حال، وقد حظيت البلدة القديمة باهتمام وعناية، وتحولت إلى مزار سياحي يضجّ بالحياة، تجمع بين عبق الماضي وروح العصر، وهي تضيف لزائر العلا متعة وتجربة لا تنسى، وتستحق أن تكررها دائماً.
![]() |
| حوانيت البلدة القديمة في العلا. |
![]() |
| الممر الرئيسي للبلدة القديمة في العلا. |
![]() |
| مطعم (somewhere) في طرف البلدة القديمة للعلا. |
![]() |
| عرض يحاكي تجربة درب البخور في البلدة القديمة. |
![]() |
| عرض لطريقة صنع البخور في البلدة القديمة. |
![]() |
| عرض صوت وصورة ودرون ممتع على واجهة جبل البنات في الحِجر. |
![]() |
| آثار من العلا ضمن معرض موسمي في البلدة القديمة. |
![]() |
| "مساء الحجر" فعالية ممتعة في العلا. |














تعليقات
إرسال تعليق